الجــمـهوريـة الجـزائريـة الديمـقراطيـة الشعـبـيـة
بوابة الوزارة اﻷولى
الوزير الأول / النشاطات
نشاطات الوزير اﻷول

كلمة الوزيرالأول بالملتقى الوطني حول تجديد المنظومة الصحية

تحت الرعاية السامية لرئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، انطلقت اليوم السبت بالجزائر العاصمة، أشغال الملتقى الوطني حول تجديد المنظومة الصحية بشعار "رؤية جديدة، نظام عصري وخدمة المريض.

وأشرف الوزير الأول، وزير المالية، السيد أيمن بن عبد الرحمان على افتتاح هذا الملتقى الذي تجري أشغاله بالمركز الدولي للمؤتمرات على مدار يومين، بحضور وزير الصحة عبد الرحمان بن بوزيد وعدد من أعضاء الحكومة ورئيس المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي والبيئي. و تكتسي هذه الجلسات  "أهمية كبيرة" بالنسبة للقطاع، خاصة وأنها تأتي في ظروف وبائية عالمية لم تنج منها الجزائر ميزها انتشار جائحة كوفيد-19 بعدة سلالات، مما أثر على منظومة كانت تعاني سابقا من إختلالات.

وفي كلمة له خلال هذا الملتقى ، أكد الوزير الأول، وزير المالية أن هذا اللقاء يندرج ضمن "سلسلة الندوات التي عكفت الحكومة على تنظيمها تنفيذا لتعليمات رئيس الجمهورية في إطار ورشات الإصلاحات الهيكلية الكبرى".

النص الكامل للكلمة:

"بسم الله الرحمن والرحيم
والصلاة والسلام على سيدنا محمد  وعلى آله وصحبه  أجمعين

    السيدات والسادة أعضاء الحكومة؛

    السيدات والسادة إطارات الدولة،

    ممثلي أسرة الإعلام، الحضور الكريم،


السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

يطيب لي في  مُستهل  كلمتي هذه،أن أُحيّي جميع مستخدمي قطاع الصحة، من طواقم طبية وشبه طبية وإداريين وعمال، على تجندهم الكبير في مجابهة الأزمة الصحية التي ألمت ببلادنا على غرار معظم بلدان المعمورة، كما لا يفوتني الترحم على شهداء الواجب من أبناء القطاع الذي فقدناهم وهم في جبهة التصدي من أجل إنقاذ أرواح إخوانهم من المصابين، رحم الله الجميع وأسكنهم فسيح جناته.

يندرخ تنظيم هذا اللقاء ضمن سلسلة الندوات التي عكفت الحكومة على تنظيمها، والتي أمر السيد رئيس الجمهورية بإطلاقها في إطار ورشات الإصلاحات الهيكلية الكبرى التي باشرتها الدولة تماشيا مع التحولات الكبرى التي تشهدها البلاد ضمن مسعى بناء الجزائر الجديدة، وأذكر على وجه الخصوص:

-    اطلاق ورشات اصلاح قانون البلدية والولاية في شهر أكتوبر من السنة الماضية،

-    تنظيم الندوة الوطنية حول الإنعاش الصناعي، وكنا إطلاق عملية الدفع الإلكتروني في شهر ديسمبر من السنة الماضية.

وها نحن اليوم نلتقي من جديد من أجل الإشراف على انطلاق هذا الملتقى الوطني حول تجديد المنظومة الصحية، الذي شرّفه السيد رئيس الجمهورية برعايته السامية. بهدف تنفيذ قراره الرامي إلى الشروع الفعلي في اعادة النظر في المنظومة الصحية بإدخال اصلاح عميق وشامل، يرتكز أساسا على مراجعة الخارطة الصحية وتصويبها باعتماد معايير جديدة، تأخذ في الحسبان الحاجيات الفعلية لكل منطقة بناء على تشخيص دقيق ومعطيات موضوعية مرتبطة بتطور الأمراض والأوبئة.  

أيتها السيدات الفضليات، أيها السادة الأفاضل

إن الوضعية المعقدة للمنظومة الصحية تتطلب إعداد خارطة طريق جديدة متوازنة ومنصفة تفضي إلى منظومة صحية تستجيب إلى تطلعات المواطنات والمواطنين في تغطية صحية جيدة وفق المعايير الدولية وهو ما جعلنا نأخذ الأمر بجدية وصرامة كبيرتين.

وعليه فإن ما ينتظر من ملتقاكم هذا، هو تحديد أولويات التشخيص الدقيق الواجب القيام به وكذا الجوانب الكفيلة بالتدارس من أجل الخروخ بحلول عملية والشروع الفعلي في تطبيقها ميدانيا، بعيدا عن التسويف والأماني الجوفاء والمضي قدما في تحسين وضع المنظومة الصحية وعدم التركيز على السلبيات، ذلك أن المواطن لم يعد بحاجة إلى الإستماع إلى توصيات نظرية حول

مشاكل تكاد تكون معروفة لدى الجميع بقدر ما يحتاخ إلى نتائج ملموسة في الميدان، تتيح له الإستفادة من خدمات صحية نوعية تكفل له كرامته ولا تزيده وأهله عناءا فوق عناء المرض الذي أُبتلي به.

كما أن المواطن في حاجة إلى ظروف إستقبال جيدة ولهذا فملتقاكم مطالب بإقتراح حلول عملية حول أخلقة المنظومة الصحية تقضي على كل مظاهر المحسوبية وسطوة العلاقات الشخصية.

أيتها السيدات الفضليات، أيها السادة الأفاضل

لقد حدد السيد رئيس الجمهورية ما هو منتظر من هذا الملتقى، عندما قرر تنظيمه في سبتمبر الماضي، إنطلاقا من أننا مطالبون وبصفة إستعجالية بعصرنة حوكمة المنظومة على كل الأصعدة وتطوير طريقة تسييرها وهذا قصد الإرتقاء بآليات هذا التسيير بالإعتماد على أدوات ووسائل التخطيط الصحي وإدخال نظم المعلومات وكافة آليات المحاسبة وتقييم النشاطات ومراقبة التسيير المالي والإداري.

ولا شك بأن الجميع يدرك مستوى الخدمات المتدني الذي وصلت إليه منظومتنا الصحية من مظاهر مؤسفة نراها كل يوم في مستشفياتنا مما يستوجب علينا معالجة هذا الخلل ودون تأخير والإجابة على العديد من التساؤلات :

هل هذا راجع إلى نقص الإمكانيات البشرية ؟

الجواب طبعا، لا ، بالنظر إلى ما يتوفر عليه القطاع من موارد بشرية، حيث إرتفع عدد المناصب من 234863 سنة 2010 إلى 373651 منصب سنة 2021 مع الإشارة أن إجراءات تجميد التوظيف التي إتخذتها السلطات العمومية بداية من سنة 2015 لم تمس قطاع الصحة.

 وقد بلغ عدد الممارسين الاستشفائيين أكثر من 56700 منهم 5080 أستاذ إستشفائي جامعي و15500 ممارس طبي متخصص و26440 ممارس طبي عام إلى جانب 2156 صيدلي وأكثر من 7000 جراح أسنان.

فضلا عن ذلك فالدولة إستثمرت كثيرا في البنية التحتية للقطاع حيث بلغ عدد المؤسسات العمومية للصحة في نهاية سنة 2021 أكثر من 629 هيكل منها 15 مركز إستشفائي جامعي و237 مؤسسة للصحة الجوارية.

هذه الأرقام تبين بوضوح المستوي الجيد نسبيا للتغطية الصحية الذي وصل إلى 12 طبيب لكل 10000 نسمة و17 سرير لكل 10000 نسمة.

دون أن ننسى مساهمة القطاع الخاص في المنظومة الصحية، حيث يحصي أكثر من 660 مؤسسة إستشفائية ومركز صحي في العديد من الإختصاصات وبإمكانيات بشرية كبيرة.

أيتها السيدات الفضليات، أيها السادة الأفاضل،

لقد حققت هذه المجهودات تحسنا في العديد من المؤشرات الصحية، وإن كان غير كاف،يمكن أن نتطرق إلى أمل الحياة عند الولادة (espérance de vie)  الذي إرتفع من 66 سنة، في سنة 1990 إلى أكثر من 78سنة، في سنة 2019، كما سجل معدل وفيات الأطفال الرضع 21 لكل 10000نسمة وهو معدل قريب من أهداف التنمية المستدامة لبرنامج الأمم المتحدة والمقدر ب20 لكل10000 نسمة.

إن المنظومة الصحية في الجزائر، وإنطلاقا من الدور الإجتماعي للدولة كمبدأ ثابت، ترتكز على التضامن الوطني من خلال مجانية العلاج للجميع وتسهيل الولوج إلى الخدمات الصحية حيث يلعب التمويل العمومي ومستشفيات القطاع العام دورا محوريا غير أن ذلك يطرح عدة إنشغالات مرتبطة خصوصا بفعالية الخدمات المقدمة وكذا نوعية العلاخ.

لقد ظلت ميزانية الدولة ،حتى الآن، الأداة الرئيسية لتطوير قدرات المنظومة الصحية التي عرفت مخصصات مالية غير مسبوقة وصلت سنة 2021 إلى 1150 مليار دينار مع إستفادة القطاع من إجراءات رفع التجميد عن جميع العمليات المدرجة في مدونة الإستثمارات العمومية التابعة له ، بناء على تعليمات السيد رئيس الجمهورية.

وهنا من المهم جدا، التطرق إلى مصادر تميل قطاع الصحة باعتبارها أحد المؤشرات المهمة في تشخيص وتقييم أداء أي منظومة صحية في العالم، هذا التمويل الذي يتشكل في الأصل من المصادر العمومية وشبه الجبائية (ميزانية الدولة ومساهمة الضمان الإجتماعي) ضف إلى ذلك المساهمات التي تدفعها الأسر مباشرة.

وفي غياب إجراءات تعاقدية بين مؤسسات الصحة العمومية وهيئات الضمان الإجتماعي، يستمر تحديد هذه الأخيرة وفقا لإعتبارات إدارية دون مراعاة عدد الأشخاص المؤمن عليهم، المستفيدين من الخدمات الصحية ولا حتى طبيعة وتكلفة الخدمات المقدمة، حيث وصلت هذه المساهمات إلى 102 مليار سنة 2021.

يجدر التنويه بالإرتفاع الكبير الذي عرفته حصة مساهمة الدولة في التمويل من 34,2 % سنة 1987 إلى 75,9 % سنة 2021.

 وجدير بالإشارة أيضا إلى أن المحاولات العديدة لإصلاح الإشكالية المتعلقة بالتمويل لم تؤد إلى تحقيق الأهداف المرجوة، لا سيما عمليات تجهيز " مكاتب الدخول" في المؤسسات الإستشفائية بالإضافة إلى برنامج تزويد هذه الأخيرة بنظام محاسبياتي متجانس ومتكامل.

مما سبق، فالمنظومة الصحية مطالبة بالإنخراط في النهج الذي تبنته الدولة والقاضي بعصرنة التسيير العمومي والإنتقال إلى التسيير المبني على النتائج وتقييم الخدمات العمومية على أساس مؤشرات الأداء والنجاعة لقياس مدى فاعلية البرامج المُموّلة في تحسين الرعاية الصحية للمواطنين.

إن الحديث عن فاعلية ونجاعة المرافق الصحية يجرنا أيضا إلى التطرق إلى مسألة معدل الإِشغال المنخفض لمنشآت الرعاية الصحية وخاصة في المناطق الريفية حيث لا يتجاوز هذا المعدل في الكثير من الحالات50 % من هذه المنشآت.

فضلا عن ذلك،علينا العمل على ضمان التوازن والقضاء على الفجوات المرتبطة بمستوى التغطية الصحية من جهة وكذا جودة الخدمات المقدمة بين مختلف مناطق الوطن من جهة أخرى.

ضمن هذا الإطار، لا يفوتني التأكيد على إلتزام الحكومة بتحسين التغطية الصحية وجودة الخدمات لا سيما في الولايات الجنوبية وكذا الهضاب العليا، حيث ستحضى ببرامج خاصة ستُدرخ ضمن مراجعة الخارطة الصحية التي ستنبثق عن برنامج التجديد.

إن إصلاح المنظومة الصحية وتأهيلها يجب أن يبنى وفق رؤية إستراتيجية واضحة المعالم والمرتكزات دون إغفال أسباب فشل المشاريع الإصلاحية السابقة.

وأُذكٍّر هنا بأهم ما جاء به مخطط عمل الحكومة في هذا المجال والذي يجب أن تشكل مخرجات ملتقاكم هذا ورقة طريق عملية من أجل تجسيده على أرض الواقع، لاسيما فيما يتعلق بالتدابير المرتبطة بتعزيز وتنظيم العرض في مجال العلاخ من أجل تحسين جودة الخدمات وضمان كرامة المرضى.

كما ينتظر أن تبنى مخرجات هذا الملتقى على المرتكزات الأساسية التالية  :

1.    الإجراءات العملية الكفيلة بأنسنة النشاط الصحي، من خلال تحسين الإستقبال في المؤسسات الصحية، وخصوصا على مستوى الإستعجالات الطبية،

2.    الإجراءات العملية الكفيلة بتحسين التغطية الصحية للسكان، التي تشمل عدة أبعاد، منها الحوكمة وتنظيم العرض في مجال العلاخ، لاسيما :

-    وضع الخارطة الصحية ومخطط التنظيم الصحي؛
-    تعزيز قدرات الهياكل الجوارية؛
-    تعزيز تنظيم وسير هياكل الإستعجالات؛
-    ضبط مقاييس النشاط على مستوى القطاع الخاص كشريك ومكمل للقطاع العام؛
-    تطوير منظومة إعلامية للصحة، ناجعة من خلال إدخال تكنولوجيات الإعلام والإتصال المتطورة.

3.    تعزيز تكوين مهنيي الصحة وتدارك العجز المسجل في فئات مهنية معينة (التخدير،الإنعاش، القابلات،...)،

4.    الوقاية ومكافحة الأمراض المتنقلة والتكفل بالأمراض غير المتنقلة والمخاطر الصحية المرتبطة بالبيئة والمناج،

5.    الإجراءات العملية الكفيلة بتقليل الوفيات في أوساط الأمهات والوفيات من المواليد الجدد.

وفي الأخير لا يسعني إلا أن أتمنى لكم التوفيق في أشغالكم وأملي في أن تنبثق عنها توصيات عملية سنسعى معا إلى تطبيقها في الميدان من أجل بناء منظومة صحية متجددة وعصرية تستجيب لتطلعات المواطن إلى منظومة تتكفل بإحتياجاته في علاخ جيد وتصون كرامته.

شكرا على حسن الإصغاء،
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته".